تاريخ الجنوب
مقالاتٌ حسينيةٌ بأقلامٍ جنوبيةٍ .. وقعة الطفّ وتأثيرها على الأدب العربيّ
وقعة الطفّ وتأثيرها على الأدب العربيّ بقلم: الأُستاذ عليّ الخاقانيّ مجلّة الغريّ: العدد 7 - 8، السنة الخامسة 1943م، الصفحة 761 - 765. وقعة الطفّ وتأثيرها على الأدب العربيّ لعلّ من المواضيع التي لم يتطّرقها كاتب عن واقعة الطفّ هو هذا الموضوع، الذي يتجلّى لكلّ باحث وأديب خطره وأهمّيّته، وإذا ما درس الباحث وقعة الطفّ درسًا تحليليًّا يجدها قد أثّرت على الأدب العربيّ، فوسّعت مواضيعه، وجدّدت له مواضيع أُخر. وعليه فقد اتّجه ما اعتقده كلُّ باحث من أنّ وقعة الطفّ أحد العوامل القويّة، التي بعثت بالأدب العربيّ إلى سعته وتطوّراته، التي سيطّلع عليها القارئ. ولسنا بصدد البحث عن معرفة العوامل التي رفعت مستوى الأدب العربيّ، التي منها امتزاج الأدب الفارسيّ بالعربيّ، وبذلك ظهر الأثر في (الأدب العبّاسيّ)، حيث امتزج فيها العنصران، فنجم من ذلك اتّساع دائرة الخيال في الأدب العربيّ، وظهرت الفروق بينه وبين الأدب الأُمويّ جليّة واضحة. ولقد عُلم بأنّ أدب الرثاء عند العرب قبل الإسلام وبعده بقليل كان محدودًا، وله قالب خاصّ، لا يحيد عنه الشاعر؛ لضيق دائرة الميّت، والصفات التي تُنسب إليه، مهما بلغ الفقيد من العظمة، حتّى صار أكثر الأُدباء يعتقدون من جرّاء ذلك بأنّ فنّ الرثاء هو أضيق دائرة من غيره من سائر فنون الشعر، كالغزل، والنسيب، والمدح، والفخر، والحماسة، والوصف، وغير ذلك، ولعلّ البيت الذي تغنّت به الركبان من كونه أحسن بيت قيل في الرثاء، يعطينا صورة صادقة تؤيّد ما اعتقده الأُدباء في ذلك، وهو قول ليلى بنت طريف ترثي أخاها: أيا شجـر الخابـور مالك مورقـًا كأنّك لم تحزن على ابن طريف ولو تأمّلنا ما في هذا البيت من معنى يستوجب التغنّي به، لما وجدنا هناك شيئًا أكثر من أن الفقيد حزن عليه كلّ أحد، فاستغربت ليلى من أنّ الحزن لمَ لا يعمّ النبات، ولعمري لا أجد فيه من حلاوة تسحر اللبّ، وتأخذ بمجامع القلب، ولعلّ ذلك لحقني بعد اطّلاعي على أدب الرثاء عند العراقيّين، وما ابتكروه من معانٍ، وما حصلوا عليه من متانة ممزوجة برقّة وانسجام. وإذا ما أردنا أن نستعرض أدب الرثاء في القرون الإسلاميّة الأربعة عشر، لا شكّ نحتاج إلى زمن كبير مشفوع بدراسة دقيقة، ونظرًا لأنّي صرفت زمنًا في دراسة (أدب الرثاء) بشكل تدوينيّ، ولم اتتبّعه من الناحية التحليليّة إلّا مستطردًا، وذلك في كتابي (شعراء الحسين)، الذي تضمّن ترجمة سبعمائة شاعر، مع إثبات عيون ما قالوه في رثاء الحسين، وحتّى الآن أنا جادّ بكلّ قواي لاستيفاء هذا الموضوع الخطير، الذي أرجو أن أُوفّق للإحاطة به، والإشباع له. لذا تراني في بحثي هذا لم أخض إلّا بشكل استطراديّ، وكم كنت أودّ أن يتقدّمني أديب شهير، فيخوض هذا الموضوع بالشكل الذي أرومه، لعلّي أسير على ضوئه، فلم أجد من كتب، حتّى أدّى حرصي إلى أن اقترح على العلّامة الكاتب الشهير عبد الله العلايليّ في مقالي الذي نشرته في السنة الأُولى من مجلّة (الغريّ) الغرّاء تحت عنوان: (مقتل الحسين وعناية المؤلّفين به) أن يكتب مقالًا تحت عنوان: (مقتل الحسين وتأثيره على الأدب العربيّ) في إحدى حلقاته، التي أعدّها حينذاك لتاريخ الحسين( )؛ نظرًا للثقة التي كسبها هذا الكاتب المبدع بين أُدباء العرب، وما اختصّ به من علوّ الأُسلوب ، ولا أدري هل قرأ هذا الاقتراح فأعرض عنه؟ أو أنّه لم يقف عليه، أو كتب ولم يصلنا منه شيء، ذلك ما تمنّيت أن يكون؛ لأسير أنا على ضوئه أوّلًا، وبعد ذلك من شاء فليكتب، حيث إنّ هذا الموضوع يستوجب نهضة قلبيّة واسعة تقوم بإشباعه، والكشف عن أسراره، وإنّي لا أشكّ بأنّي قد أخذت على عاتقي هذه التبعة، مع قصر الباع المشفوع بقصر الزمن. ولعلّ القارئ يشعر معي أنّ إشباع هذا الموضوع يحتاج إلى سِفْر كبير، وبالأخير يوشك أن يستوفيه من يحاول الكتابة عنه، وصحائف معدودة لا تكفل تأدية المقصود، والوصول إلى البغية التي أحاولها، فإذا وجب عليّ أن أقوم بتأدية ما أستطيعه مستمدًّا ذلك من استحضار الوقت. ليست واقعة الطفّ من الوقائع التي خفيت على الناس لأقوم بتعريفها، فقد مرّ عليها ثلاثة عشر قرنًا، وهي كما قال الشاعر الخالد السيّد جعفر الحلّيّ: فـي كـلّ عـام لـنـا بالعـشر واعيـة تـطبّـق الدور والأرجاء والـسـكـكا يا ميّتا ترك الألباب حائرة وبِالعراء ثلاثًا جسمه تُركا أو كما قال الشيخ عبد الحسين الأعسم: وفـجـائـع الأيّـام تـبقى مدّة وتـزول وهي إلـى الـقيـامـة بـاقـيـه حقًّا ما قاله هذا الشاعر، فهي باقية خالدة، وستبقى حتّى يتلاشى الوجود بين طيّات العدم، ولفداحتها التاريخيّة، وعدم مشابهة واقعة لها، أوجب أن تصرخ الإنسانيّة لها صرخة لا تهدأ، حتّى تنعدم الإنسانيّة من صفحة الوجود، وقامت زمر بالنياحة على ذلك الشهيد، الذي خطّ بدمه الطاهر على صحيفة العدل الخالدة دروس الدين، التي حاول الأُمويّون محوها من تلك الصفحة الإلهيّة، فخسئوا، وكان عاقبة أمرهم الخزي والعار المؤبّدين. ولأثر هذه الفاجعة في القلب، فقد تعاقبت الزمر تلو الزمر، يندبون ذلك البطل بشتّى الأساليب، وبمختلف اللغات، وناحته شعراء القرون الإسلاميّة أجمع، وفي طليعتهم شعراء القرون الأُولى، منهم سليمان بن قتّة العدويّ، والحسين بن الضحّاك، وجعفر بن عفّان حينما دخل على إمامنا جعفر الصادق ، ومثله دعبل الخزاعيّ، وعبد الله بن الحرّ الجحفيّ، والفضل بن عبّاس بن عتبة بن أبي لهب، وعقبة بن عمرو العبسيّ، وهو أوّل من رثى الحسين حسبما ذكر سبط ابن الجوزيّ في كتاب (تذكرة الخواصّ) قائلا: مررت على قبـر الحسين بكربلا ففاض عليه من دمـوعي غزيرها ومنهم ذو الحسبين الشريف الرضيّ، ذلك الذي أفهمنا عنه التاريخ أنّه زار الحسين، وأخذ يطوف حول قبره الشريف، وهو يرتجل مقصورته الشهيرة، التي أعربت عن حقيقة الرثاء، قائلًا في مطلعها: كـربـلا لا زلـت كـربًا وبـلا مـا لـقـي عـنـدكِ آل الـمـصـطـفى فما أتمّها إلّا وقد أُغمي عليه زمنًا طويلًا، وتلميذه مهيار الديلميّ، ذلك الذي أدخل فنًّا على الرثاء لم يجئ بمثله من سبقه، وتراه يصف ضريح الحسين بأُسلوب، نمّ عن بلاغة وسموّ في الأدب بقوله: كأنّ ضريحك نشر الربيع يمرّ عليه نسيم الخريف ومنهم ابن الهبّاريّة الحسين الشاعر الشهير، الذي أبدع في الرثاء غاية الإبداع، ومثله من اسمه طابق مُسمّاه بديع الزمان الهمدانيّ. وإذا ما حاولنا أن نذكر لك شعراء القرون الوسطى، فنحتاج إلى أن نقدّم لك سِفْرًا ضخمًا في أسمائهم كابن أبي الحديد المعتزليّ صاحب (شرح النهج)، ومن في طبقته. ولكن هلمّ فلتعرف فنّ الرثاء، حينما أُذّكرك بشعراء القرون الأخيرة، كالشفهينيّ، والخطّيّ، والخليعيّ، وبدكت، والقزوينيّ، والشيخ حسن مصبّح الحلّيّ، الذي أبدع في فنّ الرثاء إبداعًا لم يسبقه إليه أحد من عصبة الرثاء، ولعلّه لا يأتي أحد من بعده، فقد رثى الحسين بديوان ضخم، وبضمنه روضة تشتمل على (۲۹) قصيدة على عدد حروف المعجم، يبتدئ بالحرف الذي ينتهي به بمتانة وانسجام، بالإضافة إلى ما قيّد نفسه به، وهي على غرار ما صنعه صفيّ الدين الحلّيّ في روضته، التي خصّها لمدح الملك الصالح. ولعلّك أيّها القارئ استغربت منّي عدم ذكري لمشاهير عصبة الرثاء من الفراتيّين المتأخّرين، الذين غنّى بشعرهم أحمد شوقي وأخدانه من المصريّين، كالشاعر الفحل السيّد حيدر الحلّيّ، والشيخ صالح الكوّاز، والسيّد جعفر الحلّيّ، ومن جاراهم في الحلبة، كالسيّد إبراهيم الطباطبائيّ، والشيخ محمّد رضا الخزاعيّ، والشيخ سالم الطريحيّ، وهو الذي يقول: فانثنى للنـــــــــــــزال يكتال آجا لًا فوفّى بالسيف كلّ طفيف كـلّما همّ أن يصول عـــــــــــليهم هــــــــــمّتِ الأرض خيفةً برجيفِ لا أنكر استغرابك حينما تجدني قد تأخّرت عن ذكرهم، فلعمري هم بيت القصيد، وروح البحث، ونقطة الدائرة، وقل أبطال الخلود، فلقد ضربوا رقمًا قياسيًّا في (أدب الرثاء)، ممّا عجز باقي الشعراء عن الحصول عليه، ولا تصحّ الدعوى ما لم تُشفع ببيّنة، فهاك أوّلًا ما يقوله السيّد مهديّ عمّ السيّد حيدر الحلّيّ: تـحمّلوا محنًا لو بعضها حمل السْـ سَبع الطباق هوت ضعفًا على الترب بـسـاعـة لـو تـكـون الساعة اقتربت مـنـهـا تـكـافـأتـا في شـدّة الـكـرب حـيث الكريهة تـرمي للسما شررًا کـالـقـصـر نـيـرانـها من شدّة اللهب وحين قامت على ساق جثت غضبًا منها بنو مضر الحمراء عـلى الركب من تـحـتهم لو تزول الأرض لانتصبوا على الهوى هضبًا أرسى من الهضب أبـطـال حرب إذا عضّوا نواجذهم لا مـنجد لأعـاديـهـم سـوى الهرب أفهل سبق أيّها القارئ أن قرأت شعرًا بهذا الأُسلوب من الفنّ، الذي مُزج فيه أدب الرثاء بالفخر والحماسة، ولعلّك لم تعرف بأنّ ابن أخيه هو السيّد حيدر الحلّيّ الذي وُلد (١٢٤٦هـ)، وتُوفّي (١٣٠٤هـ) قد سبق أبطال حلبة أدب الرثاء بشعره الذي سجّله بمذاب القلب لقوله: عجبًا للعيون لم تغد بيضًا لمصاب تحمرّ فيه الدموع وأسًى شابت الليالي عليه وهو للحشر في القلوب رضيع فتلقّى الجموع فردًا ولكن كلّ عضو في الروع منه جموع زوّج السيف بالنفوس ولكن مهرها الموت والخضاب النجيع أحسب أن هذه الأبيات لا تحتاج بمعناها الرفيع إلى إيضاح؛ لما حوته من نُكت البديع بحسن انسجام ورصانة تركيب بقوله: (زوّج السيف)، ولا بدع إذا كان مفتونًا المرحوم أمير الشعراء أحمد شوقي بشعر هذا الفحل، حينما اجتمع به أحد طلّاب البعثة العراقيّة في طريقه إلى (السوربون) فقال له: اقرأ لي شعرًا فراتيًّا، فقرأ له من شعر بعض الشعراء المعاصرين، فقال له اقرأ: عــثـر الــدهـر ويـرجـو أن يـقـالا تربت كـفّـك مــن راج مـحـالا إلخ. حقّ لشوقي أن يعجب ويعجب؛ لأنّه لا يعرف العظيم إلّا العظيم، كيف لا، وقد جلّلها هذه القصيدة فنّ البديع بأنواعه من مقابلة إلى جناس إلى تورية، كما تجد أنّ فنّ البيان قد حفّ بها؛ لاقتران اللفظ بالمعنى، ولا تنسى أنّه هو الذي يقول: يلقى الكتيبة مفردًا فتفرّ دامية الجراح وبهامها اعتصمت مخا فة بأسه بيض الصفاح وتستّرت منه حيا ءً في الحشا سمر الرماح فهل سمعت أحدًا من المتقدّمين والمتأخّرين قائلًا: وتستّرت منه حيا ءً في الحشا سمر الرماح وهل تعتقد بأنّ هذا شعر ينتزعه الإنسان من مخيّلته ساعة أن يشاء كلّا !!!! بل كما قال الشاعر الجواهريّ: إنّه ذوب قلوب صيغ من لفظ مذاب ولعلّك ترغب أن أُثبت لك من هذه القطع القلبيّة، وأن تكون للسيّد حيدر، فخذ قوله في وصف الحسين، وفتيته البواسل، وأصحابه الأشاوس بأُسلوب تداخلت فيه جميع أنواع الشعر، وازدحمت عليه، غير أنّ ظاهره الرثاء قوله: غداة أبو السجّادِ جاء يقودها أجادل للهيجاء يحملن أنسرا فإن يمسي مغبرّ الجبينِ فطالما ضحى الحربِ في وجه الكتيبةِ غبرا تجلّى لك ماذا أدخله الشاعر على فنّ الرثاء من أُسلوب بديع، وفنّ مبتكر، فبينما تجده في صدر البيت يرثي فيقول: (فإنْ يُمسي مغبرَّ الجبين). تراه قد انتقل إلى الفخر والحماس بقوله: (فطالما ضُحى الحرب)، وهو لا يزال في البيت نفسه، وهكذا الذي قبله والذي بعده، ولو تأمّلت في بيت من هذه القصيدة الطويلة يعني به عقيلة آل البيت زينب الكبرى ابنة عليّ، لاستشعرت ما عمر أدب الرثاء من الفنّ العجيب والأُسلوب الساحر بقوله: مشى الدهر يوم الطفّ أعمى فلم يدع عمادًا لها إلّا وفيه تعثّرا أهل سبق أنّ شاعرًا خاطب مثكلة بفقد عزيزها بمثل هذه اللغة العجيبة.
صور من الموضوع ...
نأسف ، لاتتوفر اي صور عن هذا الموضوع حاليا.